
أولاً: ماهية الابتزاز الإلكتروني وأبعاده القانونية
شهد العالم توسعاً هائلاً في استخدام التكنولوجيا الرقمية، ما أفرز أنماطاً جديدة من الجرائم تمسّ الخصوصية والأمن المعلوماتي، وعلى رأسها الابتزاز الإلكتروني. ويُعرَّف بأنه استخدام وسائل إلكترونية لتهديد شخص بنشر صور أو معلومات خاصة به بقصد تحقيق مكاسب غير مشروعة مالية أو معنوية
تتنوع الوسائل المستخدمة في هذه الجريمة بين البريد الإلكتروني وتطبيقات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وهو ما يجعلها جريمة عابرة للحدود ذات أثر نفسي واجتماعي عميق
أركان الجريمة الإلكترونية
تقوم جريمة الابتزاز الإلكتروني على ثلاثة أركان أساسية
1. الركن المادي: يتمثل في فعل التهديد أو الوعيد باستخدام وسيلة إلكترونية، ويُعد الفعل قائماً بمجرد الإرسال حتى وإن لم يتم نشر المحتوى فعلاً
2. الركن المعنوي: يتجسد في القصد الجنائي، أي نية الجاني إجبار الضحية على القيام بفعل غير مشروع أو الامتناع عنه لتحقيق منفعة شخصية
3. محل الجريمة: يشمل المحتوى المستغل كوسيلة ضغط، مثل الصور أو مقاطع الفيديو أو البيانات السرية
ويُعد الابتزاز بالمحتوى المرئي من أخطر أشكال هذه الجريمة، لما يحمله من انتهاك مباشر للسمعة والكرامة الإنسانية، مما يؤدي في كثير من الحالات إلى اضطرابات نفسية عميقة قد تصل إلى حد الانتحار نتيجة الخوف من الفضيحة والنبذ الاجتماعي
ثانياً: الإطار التشريعي والعقوبات المقررة
استجابت التشريعات الوطنية والإقليمية لتصاعد هذه الظاهرة بوضع أنظمة قانونية خاصة. ففي الأردن، نظم قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023 أحكاماً صريحة لتجريم التهديد والابتزاز الإلكتروني، مكملاً بذلك نصوص قانون العقوبات التقليدي (المادتان 415 و415 مكرر).
وقد نص قانون الجرائم الإلكترونية في المادة 18 منه على ما يلي:
أ- يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن (3000) ثلاثة آلاف دينار ولا تزيد على (6000) ستة آلاف دينار كل من ابتز أو هدد شخصاً أخر لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه أو للحصول على أي منفعة جراء ذلك من خلال استخدام نظام المعلومات أو الشبكة المعلوماتية أو موقع الكرتوني أو منصة تواصل اجتماعي أو بأي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات.
ب- تكون العقوبة الأشغال المؤقتة وبغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (10000) عشرة آلاف دينار إذا كان التهديد بارتكاب جريمة أو بإسناد أمور خادشه للشرف أو الاعتبار وكان ذلك مصحوباً بطلب صريح أو ضمني للقيام بعمل أو الامتناع عنه.
الجزاءات التكميلية
لا تقتصر العقوبات على سجن الجاني، بل تمتد إلى
- مصادرة الأجهزة والبرامج المستخدمة في ارتكاب الجريمة
- حجب المواقع أو الصفحات التي نُشر فيها المحتوى
- حذف البيانات على نفقة الفاعل
وتأتي هذه الإجراءات لضمان إزالة أثر الجريمة الرقمي، واستعادة سيادة الضحية على خصوصيتها
الاختصاص القضائي وحفظ الأدلة
تُعالج قضايا الابتزاز الإلكتروني وفق مبدأ الاختصاص الإقليمي؛ أي إذا تم ارتكاب الجريمة باستخدام شبكة معلومات داخل الدولة أو ترتبت آثارها على أحد المقيمين فيها كما تلزم التشريعات مزوّدي خدمات الإنترنت بحفظ بيانات المستخدمين لمدة لا تقل عن سنتين لتمكين السلطات من تتبع الجناة باستخدام الأدلة الرقمية، التي تمثل حجر الأساس في الإثبات الجنائي الإلكتروني
ثالثاً: الإجراءات العملية للضحايا
عند التعرض لابتزاز إلكتروني، يجب على الضحية اتباع خطوات دقيقة وسريعة:
1. عدم الاستجابة للمبتز أو دفع أي مقابل
2. توثيق الأدلة (رسائل، صور، حسابات، روابط) وحفظها دون تعديل
3. قطع التواصل فوراً مع المبتز بعد جمع الأدلة
4. التواصل مع محامي متخصص في قضايا الجرائم الإلكترونية للمساعدة في تقديم الشكوى وملاحقة الفاعل بطريقة قانونية صحيحة
تلتزم هذه الجهات بالسرية التامة في معالجة القضايا، وتحظر على الضحية إرسال صور أو محتويات خاصة لأي جهة غير رسمية، بما في ذلك المحامي، لضمان حماية الأدلة من التسريب أو الاستغلال
رابعاً: دور المحامي المتخصص – الحصن القانوني للضحية
للمحامي المتخصص في الجرائم الإلكترونية دوراً محورياً في ضمان نجاح الملاحقة القانونية، إذ يجمع بين الفهم القانوني والخبرة التقنية
أبرز مهامه
1. التكييف القانوني السليم: تحديد المادة القانونية الأنسب لتوصيف الجريمة وضمان سلامة الإجراءات أمام القضاء
2. التنسيق مع الجهات الأمنية: متابعة جمع الأدلة الرقمية وفق المعايير القانونية لضمان قبولها في المحكمة
3. تمثيل الضحية أمام سلطات التحقيق والمحاكمة: تقديم الشكاوى، المطالبة بحذف المحتوى، ومتابعة تنفيذ العقوبات التكميلية
4. ضمان السرية المهنية: الحفاظ الكامل على خصوصية الضحية، مع الامتناع عن حيازة أي محتوى حساس والاكتفاء بتمثيلها قانونياً
إن المحامي في هذه القضايا لا يمثل فقط وكيل دفاع، بل يشكل درعاً قانونياً ونفسياً يرافق الضحية منذ لحظة الإبلاغ وحتى تنفيذ الحكم، مما يعزز الثقة بالمنظومة القانونية ويشجع الضحايا على التبليغ
خامساً: الوقاية والحصانة الرقمية
الوقاية تبقى خط الدفاع الأول في مواجهة الابتزاز الإلكتروني. وتشمل
- تأمين الحسابات بكلمات مرور قوية ومتغيرة
- عدم فتح الروابط أو الرسائل المجهولة المصدر
- تجنّب مشاركة الصور الخاصة عبر الإنترنت مهما كانت درجة الثقة
- استخدام برامج حماية محدثة والحذر من “الخبراء” غير الرسميين الذين قد يستغلون الضحايا
- كما يجب تعزيز الثقافة المجتمعية للأمن السيبراني من خلال حملات توعية مستمرة تُبرز خطورة مشاركة البيانات الشخصية دون وعي
الخاتمة والتوصيات
أثبتت الدراسة أن الابتزاز والتهديد الإلكتروني بالمحتوى المرئي يمثلان تهديداً حقيقياً للأمن النفسي والاجتماعي، ويستوجبان تعاوناً مؤسسياً وتشريعياً ومجتمعياً متكاملاً
وتتمثل التوصيات الجوهرية في ما يلي
للضحايا: الإبلاغ الفوري والامتناع عن التواصل مع المبتز
للمحامين: تطوير التخصص القانوني الرقمي والجمع بين المهارة التقنية والتحليل القانوني
للمشرعين: تحديث القوانين لمواكبة الأساليب التقنية المتجددة للجريمة
للمجتمع: بناء وعي رقمي استباقي يحصّن الأفراد من الوقوع ضحايا وبذلك يتجلى دور المحامي المتخصص كركيزة أساسية في تحقيق العدالة الرقمية، وتبقى الحصانة القانونية والأمنية السيبرانية معاً أساس حماية الإنسان في الفضاء الإلكتروني
في حال تعرضك للابتزاز والتهديد بأي محتوى خاص بك من صور وفيديوهات وغيره عليك التواصل مباشرة ودون تردد مع محامي متخصص في هذ النوع من القضايا، يمكنك الاتصال بنا لمساعدتك في تقديم شكوى الابتزاز والتهديد الإلكتروني مع التأكيد على التعامل بسرية تامة مع هذا النوع من القضايا، تواصل معنا على رقم الهاتف 962798080228+
