يُشكّل نظام التعويض عن الإصابات الجسدية في التشريع الأردني منظومة قانونية مزدوجة، تتقاطع فيها قواعد الضمان الاجتماعي (إصابات العمل) مع قواعد المسؤولية المدنية (حوادث السير). يهدف هذا التحليل إلى توضيح الفروق الجوهرية بين النظامين من حيث الأساس القانوني وآلية التعويض وطبيعة الأضرار المغطاة، بما يخدم الفقه والقضاء والممارسة القانونية.
أولاً: الأسس القانونية لاختلاف النظامين
1. إصابات العمل:
عرّف قانون الضمان الاجتماعي رقم (1) لسنة 2014 إصابة العمل بأنها كل ضرر يصيب العامل أثناء تأدية عمله أو بسببه، وامتدت الحماية لتشمل حوادث الطريق أثناء الذهاب إلى العمل أو العودة منه.
يقوم هذا النظام على المسؤولية الموضوعية (التأمينية)، أي أن التعويض يُستحق بمجرد وقوع الإصابة دون الحاجة لإثبات خطأ صاحب العمل. الغاية منه توفير حماية سريعة ومستدامة للعاملين من المخاطر المهنية، بعيداً عن المنازعات القضائية الطويلة.
2. حوادث السير:
أما في حوادث السير، فيسود مبدأ المسؤولية التقصيرية المنصوص عليه في المادة (291) من القانون المدني، التي تجعل من “حارس الآلة الميكانيكية” مسؤولاً عن الضرر المفترض ما لم يثبت أنه لا يمكن التحرز منه.
ولضمان سرعة التعويض، أقرّ المشرع نظام التأمين الإلزامي للمركبات، الذي يضمن للمتضررين تعويضاً محدد السقف من شركات التأمين، بغض النظر عن قدرة السائق أو المالك المالية.
ثانياً: آليات احتساب التعويض
1. التعويض المؤقت (بدل التعطيل)
في الضمان الاجتماعي، يمنح العامل المصاب بدل تعطيل يُحتسب وفق نسب متناقصة من الأجر الأخير (من 75% حتى 45%)، بحد أقصى 500 دينار شهرياً. ويمتد هذا البدل حتى ستة أشهر.
أما في حوادث السير، فتلتزم شركة التأمين بدفع 100 دينار أسبوعياً لمدة لا تتجاوز 39 أسبوعاً. ويبقى التعويض محدوداً وغير متناسب مع خسائر الدخل الفعلية.
2. التعويض الدائم (العجز أو الوفاة)
يمنح الضمان الاجتماعي راتب اعتلال شهري مدى الحياة، يُحتسب بناءً على نسبة العجز وسنوات الاشتراك، ويُوفّر دخلاً مستمراً للمصاب أو ورثته.
بينما يقتصر نظام التأمين الإلزامي على تعويض مقطوع لا يتجاوز 17,000 دينار في حالات الوفاة أو العجز الكلي، وتُحسب الحالات الجزئية بنسبة مئوية من هذا السقف.
ثالثاً: نطاق التعويض وأنواعه
1. الضرر المادي
يغطي النظامان الضرر الجسدي، وتستند تقديرات العجز إلى لجان طبية رسمية. إلا أن الضمان الاجتماعي يضع سقوفاً مالية صارمة، في حين يسمح القانون المدني للقضاء بتقدير التعويض وفق الكسب الفائت الفعلي دون قيود.
2. الضرر المعنوي
يُستثنى الضرر المعنوي من تعويضات الضمان الاجتماعي، ولا يُعوض إلا إذا ثبت الخطأ الجسيم من المنشأة.
في المقابل، يعترف نظام التأمين الإلزامي بالتعويض عن الضرر المعنوي في حالات العجز الجزئي الدائم، بمبلغ مقطوع (3,000 دينار × نسبة العجز)، وهو اعتراف تشريعي بأثر الألم النفسي الناتج عن الحوادث.
3. الضرر المالي المرتد
يغطي نظام السير الأضرار المادية المباشرة فقط، ولا يشمل الضرر المرتد (مثل فقدان الإعالة للأسرة في حالة العجز دون الوفاة)، ما يستدعي الرجوع إلى القضاء المدني للمطالبة به بشكل مستقل.
رابعاً: آليات تجاوز السقوف القانونية
1. التعويض التكميلي في إصابات العمل
يحق للعامل أو ورثته المطالبة بتعويض تكميلي من المنشأة إذا ثبت أن الإصابة نتجت عن خطأ جسيم. ويشمل هذا التعويض الفرق بين الأجر الحقيقي وسقف بدل التعطيل، إضافة إلى الضرر المعنوي.
2. الرجوع على السائق أو المالك
في حوادث السير، إذا تجاوز الضرر سقف التأمين (17,000 دينار)، يحق للمتضرر الرجوع مباشرة على السائق أو المالك للمطالبة بالفرق وفقاً للمسؤولية المدنية. ويكون هؤلاء متضامنين مع شركة التأمين في حدود التغطية الإلزامية.
3. الجمع بين التعويضين (الازدواجية)
عندما يقع الحادث أثناء الذهاب أو العودة من العمل، تتقاطع مسؤوليتا الضمان الاجتماعي والتأمين الإلزامي. ولمنع الإثراء بلا سبب، يُخصم ما دفعه الضمان من مبلغ التعويض المدني، باستثناء ما لا يغطيه الضمان أصلاً (كالضرر المعنوي أو الفرق في الكسب الفائت).
خامساً: مقارنة موجزة بين النظامين
| المعيار | إصابة العمل( الضمان الاجتماعي) | حوادث السير( التأمين الإلزامي) |
| الأساس القانوني | مسؤولية موضوعية( تأمين إجباري) | مسؤولية تقصيرية |
| نوع التعويض | راتب شهري دائم (اعتلال) | مبلغ مقطوع بحد أقصى 17000 دينار. |
| بدل التعطيل | 500 دينار شهري حد أقصى | 100 دينار أسبوعي حتى 39 أسبوعا |
| الضرر المعنوي | غير مشمول | حد أقصى 3000 دينار× نسبة العجز |
| إمكانية الرجوع التكميلي | ضد المنشأة عند الخطأ الجسيم | ضد السائق و/أو المالك عند تجاوز السقف |
| الجمع بين التعويضين | تعويض أساسي | يخضع للخصم لتفادي الازداوجية |
وعليه نستنتج أن النظام الأردني يعتمد مقاربة مزدوجة: تأمينية اجتماعية (الضمان) وعدلية مدنية (السير).
فالضمان يوفّر حماية مستدامة، بينما يوفّر نظام السير تعويضاً فورياً لكن محدوداً وإن القضاء الأردني يلعب دوراً محورياً في تحقيق التوازن ومنع الازدواجية بين النظامين.
بالتالي يمكن للمتضررين: الجمع بين الاستفادة من الضمان الاجتماعي ورفع دعوى مدنية للمطالبة بالعناصر غير المغطاة كالضرر المعنوي والضرر المرتد.
ومن خلال المقال نستنتج من المقارنة أن الضمان الاجتماعي يمثل نظاماً قائماً على فلسفة الحماية والضمان المستدام، بينما تقوم المسؤولية المدنية في حوادث السير على مبدأ العدالة والتعويض الكامل. ورغم التكامل بين النظامين، يبقى التحدي الحقيقي في تحقيق توازن بين الاستدامة التأمينية والعدالة التعويضية دون ازدواج أو نقصان في حقوق المتضررين.
في حال تعرضك لحادث أو أصابة عمل لا قدر الله يمكنك التواصل مع مكتبنا المتخصص في هذا النوع من القضايا على الهاتف رقم 962798080228+.
أو النقر على الواتس آب لنقدم لك الاستشارة المناسبة حول موضوعك.
