مقدمة
تُعد جريمة الاحتيال من أخطر الجرائم التي تهدد الثقة في المعاملات الاقتصادية والاجتماعية، فهي لا تقتصر على إلحاق الضرر بالضحايا، بل تمتد لتقويض الاستقرار المالي والاقتصادي في المجتمع.
وقد تطورت أساليب الاحتيال في السنوات الأخيرة لتنتقل من الأفعال التقليدية القائمة على الخداع المباشر إلى أشكال معقدة من الاحتيال الإلكتروني عبر الإنترنت، مستفيدة من التقنيات الحديثة في التواصل والتحويل المالي وإخفاء الهوية.
استجابة لذلك، بنى المشرع الأردني منظومة قانونية مزدوجة لمكافحة هذا النوع من الجرائم، تقوم على قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 لمواجهة الاحتيال التقليدي، وقانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لمواجهة صور الاحتيال في الفضاء الرقمي.
أولاً: الاحتيال التقليدي وفق قانون العقوبات الأردني
1. تعريف الجريمة
تُعرّف المادة 417 من قانون العقوبات الاحتيال بأنه:
“كل من حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول أو سنداً يتضمن تعهدًا أو إبراءً فاستولى عليه احتيالًا”.
ويظهر من النص أن الجريمة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة:
1. خداع المجني عليه بوسائل احتيالية.
2. تسليم المال بإرادة معيبة نتيجة هذا الخداع.
3. استيلاء الجاني على المال بصورة غير مشروعة.
ويشترط أن يكون تسليم المال ناتجًا مباشرة عن الخداع، وإلا انتفى الركن المادي للجريمة.
وقد أوضحت محكمة التمييز أن جوهر الاحتيال هو “استيلاء الجاني على مال الغير بناءً على إرادة مشوبة بالغلط”. أي أن القانون لا يعاقب على الكذب المجرد، بل على الكذب المدعوم بأفعال مادية منظمة تجعل الشخص العادي يصدق الخدعة.
2. الوسائل الاحتيالية
حدد المشرع وسائل الاحتيال على سبيل الحصر، ومن أبرزها:
- إيهام المجني عليه بوجود مشروع أو ربح وهمي لجمع الأموال.
- ادعاء حادث أو أمر كاذب كقدرة خارقة أو علاقة بمسؤولين لتضليل الضحايا.
- التصرف في مال لا يملكه الجاني كالبيع أو الرهن دون حق.
- انتحال اسم أو صفة غير صحيحة كادعاء أنه موظف حكومي أو طبيب.
3. الركن المعنوي (القصد الجرمي)
يتطلب القانون توافر نية خاصة لدى الجاني تتمثل في الاستيلاء على مال الغير بغير وجه حق، أي أن هدفه يجب أن يكون التملك وليس مجرد المزاح أو الإقناع.
4. العقوبات
يعاقب مرتكب الاحتيال بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة من 200 إلى 500 دينار.
وتشدد العقوبة في حالات معينة، مثل:
- الاحتيال بزعم تأمين وظيفة أو عمل حكومي (لا تقل العقوبة عن سنتين).
- الاحتيال في إصدار الأسهم أو السندات (لا تقل العقوبة عن ثلاث سنوات).
- مضاعفة العقوبة إذا تعدد الضحايا أو استغل الجاني ضعف الضحية أو إعاقته.
ويُعاقب الشروع في الاحتيال بذات عقوبة الجريمة التامة، إشارةً إلى خطورة السلوك الاحتيالي ذاته، حتى لو لم يتحقق الاستيلاء فعلياً.
ثانياً: الاحتيال الإلكتروني في ضوء قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023
1. ماهية الاحتيال الإلكتروني
الاحتيال الإلكتروني هو استخدام الإنترنت أو الوسائل التقنية لارتكاب أفعال الخداع بغرض الحصول على أموال أو بيانات أو امتيازات.
وتشمل صوره الشائعة:
- رسائل التصيد الاحتيالي (Phishing) التي توهم المستخدم بجهة رسمية.
- إنشاء مواقع أو تطبيقات وهمية تحاكي البنوك أو المتاجر الإلكترونية.
- سرقة الهوية واستخدامها في معاملات مالية.
- الاحتيال عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو المحافظ الإلكترونية.
2. النصوص القانونية المنظمة
تناول القانون عدة مواد تعالج الاحتيال الإلكتروني مباشرة أو بشكل غير مباشر، من أهمها:
المادة 8: تعاقب على الحصول أو استخدام بيانات وسائل الدفع الإلكتروني دون حق، وتشدد العقوبة إذا نتج عنها استيلاء على أموال.
المادة 9/ج: تجرم الاستيلاء على مال الغير نتيجة الدخول غير المشروع إلى شبكة أو نظام معلوماتي.
المادة 13: تجرم التحايل على العنوان البروتوكولي (IP Address) لإخفاء الهوية.
المادة 4/ج: تجرم انتحال صفة أو هوية مالك موقع إلكتروني.
3. الربط بين قانوني العقوبات والجرائم الإلكترونية
نصت المادة 27 من قانون الجرائم الإلكترونية على أن من يرتكب جريمة يعاقب عليها أي تشريع آخر باستخدام الشبكة المعلوماتية، يعاقب بالعقوبة ذاتها الواردة في ذلك التشريع.
وبذلك، يمكن تطبيق أركان المادة 417 (الاحتيال التقليدي) على الأفعال الإلكترونية متى توفرت ذات العناصر، مما يمنع أي فراغ تشريعي.
4. العقوبات والأدلة الرقمية
تميز قانون الجرائم الإلكترونية بفرض غرامات مالية مرتفعة قد تصل إلى 20 ألف دينار، وهو توجه يهدف إلى الردع الاقتصادي، إذ إن الربح المالي هو الدافع الرئيسي لهذه الجرائم.
كما نصت المادة 36 على اعتبار البيانات المستخرجة من الأجهزة ومزودي الخدمة أدلة قانونية معترف بها أمام القضاء، مما عزز من قدرة الادعاء العام على إثبات الجرائم الإلكترونية.
أما من حيث الاختصاص، فقد أجازت المادة 38 ملاحقة الجريمة متى ترتبت آثارها في الأردن، ولو ارتكبت من خارجها، وهو أمر بالغ الأهمية في مواجهة الجرائم العابرة للحدود.
ثالثاً: المقارنة بين الاحتيال والجرائم المالية المشابهة
يفرق القانون الأردني بدقة بين الاحتيال وغيره من الجرائم المالية مثل السرقة وإساءة الأمانة، على النحو التالي:
| المعيار | الإحتيال | السرقة | إساءة الأمانة |
| جوهر الفعل | الخداع المؤدي إلى تسليم المال | أخذ المال دون رضا | خيانة الثقة |
| إرادة المجني عليه | موجودة لكنها معيبة بسبب الإيهام | معدومة | صحيحة عند التسليم الأولي |
| طريقة الحيازة | تنتقل بالإرادة المخدوعة | تنتزع قسراً | حيازة قانونية تتحول لنية تملك |
| القصد الجرمي | نية الاستيلاء على الأموال بالخداع | نية أخذ المال خلسة | نية التملك بعد الحيازة |
إن هذا التمييز ضروري لتحديد الوصف القانوني الصحيح للجريمة والعقوبة المترتبة عليها.
رابعاً: الإبلاغ عن جرائم الاحتيال وسبل الوقاية
1. آليات الإبلاغ
في الاحتيال التقليدي: يتم تقديم شكوى للمدعي العام المختص مرفقة بالأدلة والمستندات والشهود.
في الاحتيال الإلكتروني: الجهة المختصة هي وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في مديرية الأمن العام.
2. دور المحامي
توكيل محامٍ متخصص أمر ضروري لصياغة الشكوى بشكل قانوني وتكييفها بشكل صحيح وتحديد الوقت المناسب لتقديمها، وتقديم الأدلة بطريقة صحيحة، ومتابعة إجراءات التحقيق والمناقشة والمحاكمة حتى صدور الحكم وهو دور هام ولا يمكن تجاوزه سيما أن هذا النوع من القضايا يتطلب حضوراً ذهنياً كبيراً لا يمكن للمواطن البسيط القيام به وحده مما يتطلب معه الاستعانة بمحامي ذو خبرة في قضايا الاحتيال والاحتيال الالكتروني.
3. الوقاية من الاحتيال
للأفراد:
استخدام كلمات مرور قوية وعدم مشاركتها.
تفعيل التحقق بخطوتين وتجنب الضغط على الروابط المجهولة.
عدم الإفصاح عن أرقام البطاقات أو رموز (OTP).
التأكد من أن المواقع آمنة وتبدأ بـ https.
للشركات:
وضع ضوابط داخلية صارمة على التحويلات المالية.
تدريب الموظفين على التعرف على رسائل التصيد والاحتيال.
تطبيق أنظمة حماية رقمية وتدقيق دوري للأنظمة والشبكات.
تحليل قوة النص القانوني
أثبت الإطار القانوني الأردني قدرته على مواكبة تطور جريمة الاحتيال عبر مزيج من القوانين التقليدية والرقمية. فبينما يؤسس قانون العقوبات لمبادئ الخداع والاستيلاء، يعزز قانون الجرائم الإلكترونية الردع والرقابة في بيئة الإنترنت.
إن جريمة الاحتيال لا تنتهي، فهي سباق دائم بين تطور الجريمة وتطور القانون. ولذا، تبقى اليقظة المجتمعية والتحديث المستمر للتشريعات والتقنيات هي خط الدفاع الحقيقي لحماية الأفراد والاقتصاد الوطني من آثار الاحتيال بأشكاله كافة.
في حال تعرضك للاحتيال بأي وسيلة كانت يمكنك الاستعانة بمكتبنا للقيام بإجراءات الشكوى ومتابعتها لك وتحصيل حقوقك من الجهة التي احتالت عليك، يمكنك الاتصال بنا على الرقم962798080228+
