المسؤولية القانونية عن أخطاء أنظمة الذكاء الاصطناعي في التشريع الأردني

يشهد العالم المعاصر تحولاً جذرياً نحو الرقمنة الشاملة، حيث برز الذكاء الاصطناعي كقوة دافعة لإعادة صياغة المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية والقانونية. وفي المملكة الأردنية الهاشمية، لم يعد التعامل مع هذه التقنيات مجرد ترف تقني، بل أصبح واقعاً تفرضه استراتيجيات التحول الرقمي والريادة، مما وضع المنظومة التشريعية الأردنية أمام تحدي تاريخي يتمثل في الموازنة بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق وصون المراكز القانونية من الأضرار الناشئة عن خوارزميات تتسم بالتعقيد والاستقلالية. إن الإشكالية الجوهرية التي تثيرها هذه الدراسة تكمن في مدى قدرة النصوص القانونية التقليدية، لاسيما في القانون المدني وقانون العقوبات، على استيعاب “الخطأ التقني” الذي يرتكبه كيان لا يتمتع بالشخصية القانونية ولكنه يمارس سلوكاً يحاكي الإرادة البشرية.

الطبيعة القانونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي في الفقه والتشريع الأردني

تبدأ محاولة تأصيل المسؤولية القانونية بالبحث في الماهية القانونية للذكاء الاصطناعي، حيث يعرفه الفقه الأردني بأنه مجموعة من العمليات المعرفية التي تقوم بها الآلة لمحاكاة السلوك البشري والتعلم من البيانات لاتخاذ قرارات تؤثر في البيئات الحقيقية أو الافتراضية. تكمن العقدة القانونية في أن القانون الأردني، حتى تاريخه، لم يعترف بـ “الشخصية القانونية الإلكترونية” لهذه الأنظمة، مما يبقيها ضمن دائرة “الأشياء” الخاضعة للحراسة البشرية.

الجدل حول الشخصية القانونية المستقلة
انقسم الفقه القانوني في الأردن والمقارن إلى اتجاهين رئيسيين حول هذه المسألة، وهو انقسام يعكس عمق التحول الذي تفرضه هذه التقنية:

  • الاتجاه المؤيد للمنح: يرى ضرورة الاعتراف بشخصية قانونية اعتبارية للذكاء الاصطناعي، مشابهة لشخصية الشركات، بهدف تمكين النظام من تحمل المسؤولية المالية من خلال ذمة مالية مستقلة، لاسيما في حالات التعلم الذاتي التي ينقطع فيها الرابط بين فعل المبرمج والنتيجة الضارة.
  • الاتجاه المعارض (السائد أردنياً): يتمسك بالثوابت القانونية التي تقصر الأهلية والتمييز على الكائن البشري، ويعتبر الذكاء الاصطناعي مجرد “أداة” أو “منتج” تقع مسؤولية أفعاله على عاتق من يملكه أو يشغله، لتفادي إفلات المسؤولين الحقيقيين من العقاب والتعويض.
    المسؤولية المدنية عن الأضرار الناشئة عن الذكاء الاصطناعي
  • تعد المسؤولية المدنية الحصن الأول للمتضررين، وفي الأردن، تخضع هذه المسؤولية للقواعد العامة الواردة في القانون المدني، والتي تنقسم إلى مسؤولية عقدية وأخرى تقصيرية (عن الفعل الضار).

المسؤولية التقصيرية وإشكالية الخطأ المفترض
تقوم المسؤولية التقصيرية في الأردن على أركان: الخطأ، والضرر، وعلاقة السببية. وتبرز التحديات الكبرى عند محاولة تطبيق هذه الأركان على الذكاء الاصطناعي:

  • صعوبة إثبات الخطأ: يتميز الذكاء الاصطناعي بظاهرة “الصندوق الأسود” (Black Box)، حيث تتعقد العمليات الداخلية للخوارزمية لدرجة تجعل من المستحيل على المتضرر إثبات وجود تقصير أو إهمال من جانب المبرمج أو المستخدم.
  • المسؤولية عن حراسة الأشياء (المادة 291): يرى القضاء والفقه الأردني أن المادة (291) هي الأداة الأنسب حالياً، حيث تنص على أن المسؤولية عن الآلات الميكانيكية والأشياء التي تتطلب عناية خاصة هي مسؤولية مفترضة تقع على عاتق “الحارس”. والحارس هنا هو من له السيطرة الفعلية على النظام في لحظة وقوع الضرر.
  • انتفاء علاقة السببية: يمكن للمسؤول دفع المسؤولية إذا أثبت أن الضرر ناتج عن “سبب أجنبي” كالقوة القاهرة أو فعل الغير أو خطأ المتضرر. ومع ذلك، فإن الطبيعة المستقلة للتعلم الآلي تثير تساؤلاً قانونياً: هل يعتبر “انحراف النظام التلقائي” سبباً أجنبياً يعفي الحارس من المسؤولية؟ تشير التوجهات الحديثة إلى ضرورة تبني “المسؤولية الموضوعية” القائمة على المخاطر بدلاً من الخطأ.

المسؤولية العقدية في الخدمات الرقمية
تظهر المسؤولية العقدية في سياق العقود الرقمية، مثل توريد البرمجيات الطبية أو الأنظمة المصرفية. وتتمثل الإشكالية هنا في طبيعة الالتزام؛ فهل هو التزام ببذل عناية أم بتحقيق غاية؟ يميل الفقه إلى اعتبار التزام المورد هو التزام بضمان سلامة المنتج وخلوه من العيوب التصنيعية، إلا أن بنود “إعفاء المسؤولية” الشائعة في هذه العقود تشكل عائقاً أمام حصول المتضرر على حقوقه، مما يستوجب تدخل المشرع لبطلان هذه البنود في حال تعلق الأمر بالأضرار الجسدية.

توزيع المسؤولية بين أطراف العملية التقنية
تتعدد الأطراف في بيئة الذكاء الاصطناعي، مما يجعل تحديد المسؤول النهائي عملية معقدة:

  • المبرمج والمصمم: يسألون عن عيوب التصميم أو الخلل في “المنطق الخوارزمي” الذي أدى للنتيجة الضارة.
  • المصنع: يسأل عن العيوب المادية في الأجهزة التي تحمل النظام.
  • المشغل/المستخدم: يسأل عن إهماله في الرقابة أو إدخال بيانات مضللة للنظام أدت لقرار خاطئ.
    وتنص المادة (265) من القانون المدني الأردني على أنه في حال تعدد المسؤولين عن فعل ضار واحد، يضمن كل منهم بنسبة نصيبه في الضرر، وللمحكمة القضاء بالتضامن لضمان تعويض المتضرر.

المسؤولية الجزائية والجرائم الإلكترونية المستحدثة 2023
أحدث قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023 ثورة في ملاحقة الأفعال الجرمية المرتبطة بالتقنيات الحديثة، واضعاً عقوبات صارمة تواكب خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي في ارتكاب الجرائم.
جرائم التزييف العميق (Deepfake) وحماية الحرمة الشخصية
يعد “التزييف العميق” من أكثر الأسلحة التقنية فتكاً بالسمعة والشرف، وقد تصدى له المشرع الأردني عبر عدة مواد:

  • المادة 20: تجرم استخدام الشبكة المعلوماتية لتركيب أو تعديل صور أو فيديوهات حرص الشخص على إخفائها، أو اصطناع محتوى وهمي بقصد الإساءة والتشهير، وتصل العقوبة للحبس سنتين وغرامة 50 ألف دينار.
  • انتحال الهوية والصفة: شددت المادتان (4) و(6) العقوبات على من يستخدم التقنيات الذكية لانتحال صفة الهيئات الرسمية أو الموظفين العموميين، مما يمس هيبة الدولة والثقة العامة في الفضاء الرقمي.

عقبات الإسناد الجنائي والنيابة العامة
تكمن الصعوبة في الإثبات الجنائي في تحديد “القصد الجرمي” (Mens Rea)؛ فهل اراد المبرمج وقوع النتيجة الضارة، أم أن النظام “تعلم” هذا السلوك الجرمي ذاتياً؟. وفي الأردن، لا يزال المبدأ هو “شخصية العقوبة”، مما يعني أن المسؤولية الجزائية تقع حصراً على الشخص الطبيعي الذي استخدم النظام كأداة للجريمة. ومع ذلك، فإن النقص التشريعي يبرز في حالات “الجرائم المتعدية لقصد الفاعل” التي يرتكبها النظام بشكل مستقل، مما دفع بمطالبات لتأسيس “مسؤولية جزائية مفترضة” على الشركات المالكة.

حماية البيانات الشخصية: الضوابط القانونية لمعالجة الذكاء الاصطناعي
يمثل الذكاء الاصطناعي “نهماً للبيانات”، وهو ما استوجب صدور قانون حماية البيانات الشخصية الأردني رقم (24) لسنة 2023 لضمان عدم انتهاك الخصوصية تحت ذريعة التطور التقني.
عمليات “التشخيص” (Profiling) وحقوق الأشخاص المعنيين
عرف القانون “التشخيص” بأنه أي معالجة آلية للبيانات تهدف لتقييم سلوك أو خيارات أو ميول الشخص الطبيعي.

  • شرط الموافقة الصريحة: لا يجوز للخوارزميات معالجة البيانات الشخصية دون موافقة مسبقة وموثقة من صاحب البيانات، مع تحديد الغرض والمدة.
  • حق الاعتراض والمحو: منح القانون للشخص الحق في الاعتراض على المعالجة الآلية إذا كانت تمييزية أو مجحفة، وللمتضرر الحق في طلب محو بياناته التي يستخدمها النظام للتعلم إذا كانت المعالجة مخالفة للقانون.

التزامات المسؤول والمعالج في البيئة الذكية
يفرض القانون على “المسؤول عن المعالجة” (أي الجهة التي تملك النظام الذكي) التزامات أمنية وفنية لضمان سلامة البيانات من الاختراق أو التعديل غير المصرح به بواسطة خوارزميات أخرى. كما يحظر نقل البيانات إلى خارج المملكة إذا كانت الجهة المستقبلة لا توفر مستوى حماية مماثلاً للقانون الأردني، وهو ما يشكل تحدياً لشركات الذكاء الاصطناعي العالمية التي تستخدم خوادم عابرة للحدود.

تحديات الإثبات الجنائي والرقمي أمام القضاء الأردني
يواجه القضاء الأردني معضلة “اليقين القضائي” في مواجهة الأدلة الرقمية التي يولدها الذكاء الاصطناعي، حيث أن العقيدة القضائية في الأردن تبنى على الجزم واليقين.
حجية الدليل الإلكتروني ومعضلة التزييف
يعترف القضاء بالدليل الإلكتروني، ولكن تقنيات التزييف العميق أضعفت من موثوقية “المستندات الرقمية”؛ فالفيديو الذي كان يعتبر دليلاً قاطعاً، أصبح اليوم قابلاً للاصطناع التام.

  • تفسير الشك لصالح المتهم: إذا ساور القاضي شك في صحة الدليل الرقمي نتيجة احتمالية التزييف بالذكاء الاصطناعي، فإنه يضطر للحكم بالبراءة، مما يفتح الباب لإفلات المجرمين من العقاب.
  • شروط القبول: يجب أن يكون الدليل مستخلصاً بطرق مشروعة، وأن يخضع للمناقشة الشفوية والخبرة الفنية المتخصصة.

دور الخبرة الفنية ووحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية
تعتمد المحاكم الأردنية بشكل أساسي على “وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية” والخبراء الرقميين لفحص “البصمة الإلكترونية” للأدلة. ومع ذلك، يظل “الصندوق الأسود” عائقاً؛ إذ قد يثبت الخبير وقوع الفعل الضار من الجهاز، ولكنه قد يعجز عن تفسير كيفية اتخاذ النظام للقرار، مما يقطع رابطة السببية بين فعل المالك والنتيجة.

أبعاد المسؤولية الأخلاقية: الميثاق الوطني الأردني
أطلقت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة “الميثاق الوطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي” لعام 2022، ليكون مرجعية أخلاقية تسبق التنظيم القانوني الإلزامي.
المبادئ الأخلاقية كمعيار للسلوك القانوني
على الرغم من أن الميثاق غير ملزم بصفة قانونية مباشرة، إلا أنه يشكل “مبادئ توجيهية” للقضاة عند تقدير “الخطأ” في السلوك المهني لمطوري الأنظمة.

المساءلة والمسؤولية الإنسانية: يؤكد الميثاق أن المسؤولية يجب أن تعزى دائماً لأشخاص طبيعيين، وليس للنظام التقني ذاته.

  • الشفافية وقابلية التفسير: يجب أن تكون القرارات المتخذة بواسطة الذكاء الاصطناعي قابلة للتوضيح للبشر، خاصة في المجالات الحساسة كالطب والقضاء.
  • العدالة وعدم التمييز: يحذر الميثاق من “التحيز الخوارزمي” الذي قد يؤدي لتهميش فئات معينة بناءً على العرق أو الدين أو الجنس.
    آفاق تطوير نظام التعويض: التأمين الإجباري وصناديق الضمان
    تجمع الدراسات القانونية الأردنية الحديثة على أن القواعد التقليدية للمسؤولية لن تكون كافية في المستقبل القريب، مما يتطلب حلولاً استباقية لضمان حقوق المتضررين

التأمين الإلزامي ضد مخاطر الذكاء الاصطناعي
تتمثل التوصية الرئيسية في فرض “نظام تأمين إجباري” على الشركات المطورة أو المالكة لأنظمة الذكاء الاصطناعي عالية الخطورة، مثل المركبات ذاتية القيادة والروبوتات الجراحية. يهدف هذا النظام إلى:

  • ضمان حصول المتضرر على تعويض سريع وتلقائي دون الحاجة لإثبات الخطأ الشخصي المعقد.
  • توزيع عبء المخاطر على شركات التأمين، مما يشجع الشركات التقنية على الابتكار دون الخوف من الإفلاس بسبب تعويضات ضخمة.

صناديق تعويض ضحايا الذكاء الاصطناعي
كآلية مكملة، يطرح الفقه ضرورة إنشاء “صناديق تعويض وطنية” تمول من ضرائب خاصة تفرض على بيع واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. تعمل هذه الصناديق في حالات:

  • عدم قدرة المسؤول عن الضرر على الوفاء بالالتزامات المالية.
  • وقوع الضرر من نظام “مجهول” أو عابر للحدود يصعب مقاضاة مالكه.
  • حالات الحوادث الفجائية التي لا يسأل عنها الحارس ولكنها خلفت أضراراً جسيمة.

خلصت هذه الدراسة إلى أن المنظومة القانونية الأردنية تمتلك “مرونة مبدئية” من خلال قواعد المسؤولية عن فعل الأشياء والمواد المتعلقة بالجرائم الإلكترونية، إلا أنها تعاني من فجوات تشريعية قد تؤدي لضياع الحقوق في الحالات المعقدة.
التوصيات للسياسة التشريعية والأكاديمية

  • الاستجابة التشريعية التخصصية: ضرورة إصدار “قانون خاص لتنظيم الذكاء الاصطناعي” يحدد بوضوح من هو المسؤول في كل مرحلة (تصميم، برمجة، تشغيل)، ويضع معايير فنية إلزامية للسلامة والرقابة.
  • تحديث القانون المدني: تعديل المادة (291) لتشمل صراحة “الأنظمة البرمجية المستقلة” ضمن فئة الأشياء التي تتطلب عناية خاصة، لقطع الطريق على الجدل حول طبيعة النظام.
  • تعزيز الثقافة القضائية والتقنية: إنشاء دوائر قضائية متخصصة في المنازعات التكنولوجية، وتدريب القضاة على فهم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتقليل الاعتماد الكلي على الخبرة الفنية التي قد تكون منحازة أحياناً.
  • المواكبة الدولية: الاستفادة من التجارب الرائدة، لاسيما “قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي”، في وضع تصنيف للمخاطر (عالية، متوسطة، منخفضة) وربط المسؤولية القانونية بدرجة خطر النظام.
    إن التحول نحو عصر الذكاء الاصطناعي في الأردن يتطلب “سيادة قانونية رقمية” تضمن أن تظل الآلة خادمة للعدالة لا عائقاً أمامها، وأن تظل كرامة الإنسان وحقوقه هي البوصلة التي توجه أي تنظيم قانوني مستقبلي لهذه التقنيات المتسارعة.

أضف تعليق