مقدمة
شهدت المنظومة التشريعية الأردنية تحولاً جوهرياً في نظرتها إلى الشيك البنكي، بعد أن ظل لعقود يتمتع بحماية جزائية صارمة جعلت منه أداة ضغط فعالة في المعاملات التجارية، تجاوزت وظيفته الأصلية كأداة وفاء تقوم مقام النقود.
وقد جاء تعديل المادة (421) من قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، ولا سيما بموجب القانون المعدل رقم (10) لسنة 2022، تعبيراً عن توجه تشريعي حديث يهدف إلى فصل الالتزام المدني عن العقوبة الجزائية، وإعادة الشيك إلى طبيعته القانونية الصحيحة.
هذا التحول لم يكن معزولاً عن السياق الاقتصادي والاجتماعي، إذ أدى الإفراط في التجريم إلى تحميل القضاء الجزائي عبئاً ضخماً من القضايا ذات الطابع التعاقدي البحت، وإلى زج أعداد كبيرة من المدينين في مراكز الإصلاح بسبب تعثر مالي، بما يتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها مبدأ عدم حبس الإنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.
أولاً:التطور التشريعي للمادة (421) من قانون العقوبات
مرت المادة (421) بمراحل تشريعية متعددة، عكست في مجموعها تصاعد الحماية الجزائية ثم انحسارها:
الصيغة الأصلية: قررت عقوبة الحبس من شهرين إلى سنتين حمايةً للثقة بالشيك.
تعديل 1996 (قانون رقم 11): شدد العقوبة لتصبح الحبس مدة لا تقل عن سنة، مع تقييد سلطة المحكمة في استعمال الأسباب المخففة.
تعديل 2017 (قانون رقم 27): ثبت العقوبة عند سنة واحدة حبساً.
تعديل 2022 (قانون رقم 10): شكل نقطة التحول المفصلية، بإضافة الفقرة (8) للمادة (421)، التي نصت على وقف سريان أحكام التجريم على الشيكات الصادرة بعد ثلاث سنوات من تاريخ نفاذ القانون.
وقد دخل هذا القانون حيز النفاذ بتاريخ 24/6/2022، مما جعل تاريخ 24/6/2025 هو الحد الفاصل بين الشيكات المشمولة بالحماية الجزائية وتلك الخارجة عنها.
ثانياً:الموقف القانوني للشيكات قبل 25/6/2025 في ضوء الاجتهاد القضائي
أكدت محكمة التمييز الأردنية، وفق ما ورد في القرار المشار إليه في الصورة، مبدأ بالغ الأهمية مؤداه أن:
الشيكات الصادرة قبل تاريخ 25/6/2025 تبقى خاضعة لنص التجريم والعقاب الوارد في المادة (421) من قانون العقوبات، ولا مجال لتطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم قبل حلول هذا التاريخ.
وبيّنت المحكمة، استناداً إلى نص المادة (421/8)، أن المشرع لم يلغِ التجريم فوراً، بل قرر إيقاف سريان النص الجزائي مستقبلاً فقط، بعد انقضاء مدة الثلاث سنوات الانتقالية. وعليه:
فإن الأفعال المرتكبة قبل 25/6/2025 تظل خاضعة لسلطان النص الجزائي النافذ وقت ارتكابها.
ولا يُعد التعديل في هذه المرحلة قانوناً أصلح بالمعنى المقصود في المادة (5) من قانون العقوبات، لكون المشرع حدد نطاق التطبيق الزمني صراحة.
ويترتب على ذلك أن أي شيك صدر قبل هذا التاريخ، حتى لو نُظر النزاع بشأنه لاحقاً، يبقى قابلاً للمساءلة الجزائية ما لم يطرأ سبب قانوني آخر لانقضاء الدعوى أو سقوط العقوبة.
ثالثاً:الوضع القانوني للشيكات بعد 24/6/2025
اعتباراً من هذا التاريخ، تفقد الشيكات البنكية الحماية الجزائية كلياً، ويغدو إصدار شيك بدون رصيد فعلاً غير مجرّم جزائياً، مع بقاء الحق المالي قائماً ومحمياً عبر المسار المدني والتنفيذي.
ويظل الشيك محتفظاً بصفته كسند تنفيذي وفق قانون التنفيذ، بما يتيح لحامله:
التقدم مباشرة إلى دائرة التنفيذ،
طلب الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة،
طلب منع المدين من السفر وفق الضوابط القانونية.
إلا أن الحبس الجزائي (جنحة الشيك) ينتفي نهائياً، ويتعزز بذلك الفصل بين الدين والعقوبة.
رابعاً:الآثار العملية والاقتصادية للتعديل
يحمل هذا التحول التشريعي آثاراً متباينة:
إيجابياً: تخفيف العبء عن القضاء الجزائي، وتعزيز الكرامة الإنسانية، وتحفيز التحول نحو وسائل الدفع الرقمية.
سلبياً: احتمال تراجع الثقة بالشيكات كأداة ائتمان، وازدياد الاعتماد على الضمانات العينية، وارتفاع مخاطر المماطلة في السداد.
وقد سعى البنك المركزي الأردني إلى مواجهة هذه التحديات عبر تطوير أنظمة الاستعلام الائتماني، والمقاصة الإلكترونية، وتعزيز الدفع الفوري عبر أنظمة مثل (CliQ)
بالنتيجة ، إن إلغاء الحماية الجزائية عن الشيكات البنكية في الأردن يمثل تحولاً تشريعياً عميقاً يعكس نضج السياسة الجنائية وانتقالها من الردع السالب للحرية إلى التنظيم المالي والائتماني الرشيد.
غير أن نجاح هذا التحول يظل مرهوناً بفعالية دوائر التنفيذ، وانتشار الثقافة الائتمانية، وتوازن دقيق بين حماية الدائن وصون كرامة المدين، في إطار دولة القانون والمؤسسات.
إعداد المحامي عبد الله الزبيدي 962798080228+
