مقدمة: التكييف القانوني – التصميم الخفي للعدالة
لا تقوم العدالة على قوة المرافعة أو كثرة الأدلة فحسب، بل على دقة الإطار القانوني الذي تُبنى عليه القضية. فـ”التكييف القانوني” هو العصف الذهني التي يحوِّل الوقائع الخام إلى هيكل قانوني منظم يحدد مسار الدعوى ومصيرها. يشبه هذا الدور عمل المهندس الذي يرسم المخطط قبل البناء؛ فخطأ واحد في التكييف قد يؤدي إلى انهيار الدعوى رغم متانة حججها.
يُعد التكييف القانوني حجر الأساس في كل قضية: فهو الذي يحدد المحكمة المختصة، والقواعد الإجرائية، وعبء الإثبات، وطبيعة الحكم المنتظر. والمحامي، بصفته “مهندس الدعوى”، يتحمل مسؤولية صياغة هذا التكييف بدقة لضمان حماية حق موكله وتحقيق العدالة.
أولاً: المفهوم والأساس النظري للتكييف القانوني
- تعريف التكييف القانوني
التكييف هو صياغة ووصف وقائع الدعوى وموضوعها بإطارقانوني دقيق والربط بالقواعد القانونية التي تنظمه. وهو الجسر بين الواقع والنص، والمرحلة الأولى التي تُحدد أي قانون يُطبّق وكيف يُطبّق. وهو ليس بالأمر العادي أو البسيط، بل هو فكر قانوني خلاق يتطلب قدرة على التحليل والمقارنة والاستدلال.
- العلاقة بين التوصيف والتكييف والتفسير
تتوزع العملية القانونية إلى ثلاث مراحل مترابطة:
التوصيف: عمل المشرّع في تحديد النماذج القانونية المجردة (كأركان جريمة السرقة أو عقد البيع) وإن الصياغة التي قام بها المشرع هي جامدة بطبيعتها وتحتاج دائماً لتشريحها وتجريدها من هذ الجمود والمحامي هو الجراح المتميز في مهنته والذي يقوم بتبسيط وتسييس النصوص القانونية لينزع منها غموضها وصعوبة فهمها للمواطن العادي .
التكييف: عمل المحامي أو القاضي في إدراج الوقائع ضمن أحد هذه النماذج، وهنا يكمن دور المحامي في صياغة وقائع الدعوى وتكييفها بشكل واضح ليبين للمحكمة موضوع الدعوى بوضوح وما هي النصوص القانونية التي تنطبق عليه وتحديد مطالب موكله بالنتيجة النهائية.
التفسير: مهمة لاحقة تهدف إلى إزالة الغموض عن نص قانوني بعد تحديد صلته بالوقائع، إن فهم المحامي لنصوص القانون وإمكانياته القانونية لتفسيرها تمنحه القوة القانونية اللازمة للإبداع في ترجمة هذه النصوص لمصلحة موكله مما يساهم في تثبيت وإظهار حقه.
وبذلك، يُعد التكييف المرحلة المحورية في الاستدلال القانوني، وأي خطأ فيه يؤدي إلى تطبيق قانون غير مناسب أو إهمال الحق الواجب حمايته.
- مبدأ قانون القاضي في الأردن
يأخذ المشرّع الأردني بمبدأ “قانون القاضي”، أي أن القاضي يستخدم مفاهيم وتشريعات نظامه الوطني لتكييف النزاع، حتى وإن تضمن عنصراً أجنبياً. فالتكييف سابق على تحديد القانون الواجب التطبيق في تنازع القوانين، ولا يمكن للقاضي تكييف النزاع وفق قانون أجنبي قبل معرفة إن كان ذلك القانون واجب التطبيق أصلاً.
ثانياً: المحامي مهندس الدعوى – من الوقائع إلى البناء القانوني
- منهجية التكييف المهني
يقوم عمل المحامي على تحويل رواية العميل إلى بناء قانوني منضبط عبر ثلاث مراحل رئيسية:
- الاستماع والتحقق من الوقائع: جمع كل التفاصيل والمستندات ذات الصلة بدقة، والتأكد من مصداقية المعلومات.
- التحليل والبحث القانوني: دراسة القوانين والسوابق القضائية لتحديد النماذج القانونية الممكنة للوقائع.
- الاختيار الاستراتيجي للتكييف: المفاضلة بين التكييفات المحتملة لاختيار الأنسب لمصلحة الموكل من حيث الاختصاص، وعبء الإثبات، ومدد التقادم، ونوع التعويض الممكن.
بهذه المنهجية يتحول المحامي من ناقل للوقائع إلى صانع للواقع القانوني الذي سيُعرض على المحكمة.
- لائحة الدعوى كتجسيد للتكييف
تُعد لائحة الدعوى المظهر العملي للتكييف القانوني؛ فهي الوثيقة التي تُبنى عليها كل مراحل التقاضي. وتتضمن الوقائع، والأساس القانوني، والطلبات. ومن خلال اختيار التكييف الصحيح داخلها، يحدد المحامي المحكمة المختصة ونطاق الدعوى الإجرائي والموضوعي، مما يجعلها بمثابة المخطط التنفيذي للقضية.
ثالثاً: أثر التكييف على مسار الدعوى
يُحدث التكييف القانوني سلسلة مترابطة من النتائج تمس بنية التقاضي بأكملها:
- تحديد الاختصاص القضائي
دعاوى المطالبات التي لا تتجاوز قيمتها 10,000 دينار من اختصاص محكمة الصلح، وما زاد عنها لمحكمة البداية.
الطعون في القرارات الإدارية من اختصاص المحكمة الإدارية.
التكييف الخاطئ قد يؤدي إلى رد الدعوى شكلاً لعدم الاختصاص، مع ما يترتب على ذلك من ضياع للوقت وربما سقوط الحق بالتقادم.
- تحديد القواعد الإجرائية والموضوعية
مدة التقادم تختلف باختلاف التكييف (عقدي أو تقصيري).
عبء الإثبات يتحدد وفق نوع الدعوى.
طبيعة الحكم الممكن صدوره (تعويض، إخلاء، تنفيذ عيني، قسمة…) تتأثر مباشرة بالتكييف المعتمد.
رابعاً: مخاطر التكييف الخاطئ
- بطلان الدعوى شكلاً
رفع الدعوى أمام محكمة غير مختصة نتيجة تكييف غير دقيق يؤدي إلى إحالتها إلى محكمة مختصة.
- الخسارة الموضوعية
حتى في حال قبول الدعوى شكلاً، قد يُفضي التكييف الخاطئ إلى فشل الدعوى موضوعاً لأن الأدلة لا تثبت أركان الادعاء المختار.
- دور محكمة التمييز في تصويب التكييف
تُعد مسألة التكييف مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة التمييز، التي تملك صلاحية نقض الأحكام الخاطئة في تطبيق القانون. وقد أكدت قراراتها، مثل الحكم رقم 5234/2021، أن التفرقة الدقيقة بين العقد الباطل والموقوف ليست تفصيلاً شكلياً، بل مسألة جوهرية تمس جوهر الحكم وعدالته.
خامساً: التفاعل بين المحامي والقاضي
رغم أن القاضي يملك السلطة النهائية في تحديد الوصف القانوني للنزاع، إلا أن التكييف الذي يقدمه المحامي يمثل خارطة طريق توجه المحكمة نحو الحكم الصحيح. فالقاضي لا يغيّر الوقائع أو الطلبات، بل يستند إلى ما يقدمه المحامي من بناء قانوني منطقي ومدعوم بالأدلة.
فن الإقناع القانوني هنا هو الأداة التي يمارس بها المحامي تأثيره: فكلما كان التكييف الذي يقدمه أكثر اتساقاً مع الوقائع والقانون، زادت احتمالية تبنيه من قبل المحكمة. وهكذا، يتحول المحامي إلى الموجّه الخفي ليد العدالة، من خلال إحكامه لفن التكييف.
وعليه فإن التكييف القانوني يعتبر حجر الزاوية الذي يُقام عليه صرح العدالة. فهو الذي يربط بين الوقائع والنصوص، ويحدد الطريق إلى المحكمة المختصة، ويصوغ الإطار الذي تُبنى عليه الأحكام. المحامي الذي يُجيد هذا الفن لا يكتفي بالدفاع عن موكله، بل يُسهم في تحقيق العدالة ذاتها.
إن دقة التكييف ليست مسألة تقنية بل فلسفة مهنية: فهي التي تميز بين المحامي المجتهد والمستشار الخبير، وبين الدعوى الناجحة وتلك التي تنهار قبل أن تبدأ.
وفي نهاية المطاف، يظل التكييف القانوني الصحيح هو البوصلة التي تهدي النظام القضائي إلى وجهته الحقة: إحقاق الحق وصون العدالة.
محامي في عمان 962798080228+
