دراسة تحليلية موجزة في ضوء قانون التنفيذ رقم 25 لسنة 2007 وتعديلاته الأخيرة
مقدمة
تُعد منظومة التنفيذ الجبري الركيزة الأخيرة لضمان فعالية الأحكام القضائية والسندات التنفيذية، إذ تشكل الأداة العملية لتحويل الحق المجرد إلى واقع ملموس. ولطالما شكّل حبس المدين التنفيذي أحد أكثر موضوعات التنفيذ إثارة للجدل في الأردن، بين اعتباره وسيلة ضغط ضرورية لحماية الدائنين، وبين كونه مساساً جوهرياً بحرية الإنسان وكرامته، لا سيما في حالات الإعسار الحقيقي.
وقد مثّل صدور القانون المعدل رقم 9 لسنة 2022 لقانون التنفيذ رقم 25 لسنة 2007 نقطة تحول تشريعي وفلسفي عميق، حيث انتقلت السياسة التنفيذية من منطق الإكراه البدني إلى أولوية التنفيذ على المال، انسجاماً مع الالتزامات الدولية للمملكة، وعلى رأسها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
وقد مثّل صدور القانون المعدل رقم 9 لسنة 2022 لقانون التنفيذ رقم 25 لسنة 2007 نقطة تحول تشريعي وفلسفي عميق، حيث انتقلت السياسة التنفيذية من منطق الإكراه البدني إلى أولوية التنفيذ على المال، انسجاماً مع الالتزامات الدولية للمملكة، وعلى رأسها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
ثانياً: الإطار المؤسسي لدائرة التنفيذ وتطورها الإجرائي
يناط تنفيذ السندات التنفيذية بدائرة التنفيذ المنشأة لدى كل محكمة بداية، ويرأسها قاضٍ يتمتع بسلطات قضائية واسعة، تشمل الفصل في المنازعات التنفيذية وتقدير طلبات الحبس والحجز والتسوية. ويؤكد هذا التنظيم الطبيعة القضائية الخالصة للتنفيذ الجبري.
وقد عززت تعديلات 2022 من كفاءة الدائرة عبر التحول الرقمي، حيث أُجيز تقديم الطلبات ودفع الرسوم ومتابعة الإجراءات إلكترونياً، بما يحقق سرعة الفصل ويخفف العبء الإداري عن المتقاضين.
ثالثاً: مراحل التنفيذ الجبري
تبدأ العملية التنفيذية بتقديم السند التنفيذي، يعقبه إخطار تنفيذي يمنح المدين مهلة:
(15) يوماً في الأحكام القضائية،
(7) أيام في باقي السندات.
خلال هذه المهلة، يملك المدين حق الوفاء أو الاعتراض أو الإقرار بالدين. وفي حال انقضائها دون استجابة، تنتقل الدائرة إلى مرحلة التنفيذ الجبري عبر الحجز على الأموال أو – في نطاق ضيق – الحبس وفق الضوابط القانونية المستحدثة.
رابعاً: التحول الجوهري في فلسفة حبس المدين
شكّل تعديل المادة (22) جوهر الإصلاح التشريعي، إذ قرر المشرع مبدأً واضحاً مفاده:
لا يجوز حبس المدين بسبب عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.
وبذلك أصبح الحبس استثناءً مقيداً لا يُلجأ إليه إلا بحق المدين المماطل المقتدر، وليس المعسر الحقيقي. وقد منح القانون فترة انتقالية تنتهي في 25/6/2025، ليتم بعدها الإلغاء شبه الكامل لحبس المدين في الديون التعاقدية، بما يسمح للأسواق بإعادة تكييف أدواتها الائتمانية.
خامساً: الحالات الاستثنائية التي لا يزال فيها الحبس جائزاً
رغم الاتجاه الإلغائي، أبقى المشرع على حالات خاصة يُجيز فيها الحبس دون اشتراط إثبات الاقتدار، لاعتبارات اجتماعية وأخلاقية، أبرزها:
- دين النفقة المحكوم بها (لكل قسط استقلاله التنفيذي).
- التعويضات الناشئة عن جرم جزائي.
- المهر المحكوم به للزوجة.
- أحكام تسليم الصغير والمشاهدة، حيث يتجدد الحبس لحين التنفيذ.
- الحقوق العمالية.
- قضايا الإيجار.
سادساً: التسوية التنفيذية كبديل عن الحبس
خفّض المشرع نسبة الدفعة الأولى اللازمة للتسوية من 25% إلى 15% من أصل الدين، تشجيعاً للتسويات الواقعية. فإذا عرض المدين تسوية معقولة ورفضها الدائن، يلتزم رئيس التنفيذ بالتحقق من اقتدار المدين في جلسة تحقيق، ويقع عبء الإثبات على الدائن.
ويجوز تقسيط الدين لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، مع وضع إشارة حجز على أموال المدين ضماناً لحقوق الدائن.
سابعاً: الموانع القانونية والإنسانية لحبس المدين
وسّعت المادة (23) من نطاق الحماية، فمنعت الحبس عن فئات متعددة، منها:
ناقصو الأهلية،
المدين المفلس أو المعسر،
الموظفون العموميون (لاكتفاء التنفيذ على الرواتب)،
المرضى غير القادرين صحياً على الحبس،
الحامل والأم لطفل دون السنتين،
الأزواج معاً، أو بين الأصول والفروع (عدا النفقة).
وتعكس هذه الموانع توجهاً إنسانياً يوازن بين الحق المالي والاعتبارات الاجتماعية.
ثامناً:أولوية التنفيذ على الأموال غير المنقولة
في ظل تقييد الحبس، بات الحجز على العقارات وبيعها بالمزاد العلني الوسيلة التنفيذية الأهم. وقد وضع القانون ضمانات دقيقة للمزاد، من حيث التقدير العادل، والحد الأدنى للسعر، وحق زيادة العُشر، بما يحفظ مصلحة الدائن دون إهدار ملكية المدين.
تاسعاُ: البدائل الحديثة لحبس المدين
اتجه المشرع نحو ما يُعرف بـ الإكراه المدني غير السالب للحرية، ومن أدواته:
منع السفر،
الحجز على الحسابات والأجور،
تقييد المعاملات المالية والتجارية،
التوسع في العقوبات المجتمعية والمراقبة الإلكترونية في القضايا ذات الطابع المالي.
عاشراً:الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتعديلات
أفرزت التعديلات تخوفات مشروعة لدى القطاع التجاري، خاصة مع ارتفاع الشيكات المرتجعة في المراحل الأولى. إلا أن الاتجاه العام يشير إلى تحول تدريجي نحو ائتمان أكثر مهنية، قائم على الملاءة الحقيقية والضمانات العينية، بدلاً من الاعتماد على الحبس كوسيلة ردع.
النتيجة
إن إصلاح نظام حبس المدين في الأردن يمثل نقلة نوعية من عدالة العقوبة إلى عدالة الاستيفاء. فحبس المعسر لم يكن يوماً وسيلة ناجعة لتحصيل الحقوق، بل عبئاً اجتماعياً واقتصادياً. ويبقى نجاح هذه التجربة مرهوناً بفعالية أدوات التنفيذ البديلة، وتكامل قواعد البيانات المالية، وقدرة القضاء على التمييز الدقيق بين المعسر والمماطل.
وبذلك، يخطو الأردن خطوة متقدمة نحو نظام تنفيذي حديث، يحقق التوازن بين حق الدائن وحرية المدين، في إطار دولة القانون والمؤسسات.
تم الإعداد بواسطة المحامي عبدالله الزبيدي 962798080228+
