مقدمة
شهد التشريع الأردني خلال السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في فلسفته الجنائية والتنفيذية فيما يتعلق بالأدوات الائتمانية، وعلى رأسها ما يعرف بـ سند الأمانة. فبعد أن كان هذا السند يُستخدم تقليدياً كوسيلة ضغط جزائي لحمل المدين على الوفاء، اتجه المشرع والقضاء إلى إعادة تكييفه ضمن إطاره الطبيعي كسند ذي طبيعة مدنية، لا ينهض فيه الوصف الجرمي إلا في أضيق الحدود.
ويأتي هذا التحول انسجاماً مع التزامات الأردن الدولية، ولا سيما مبدأ عدم جواز حبس الإنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، وهو ما انعكس بوضوح في تعديلات قانون العقوبات وقانون التنفيذ، وفي اجتهادات محكمة التمييز الصادرة حتى عامي 2024–2025.
أولاً: الأساس القانوني لجريمة إساءة الأمانة في قانون العقوبات
تنص المادة (422) من قانون العقوبات الأردني على تجريم إساءة الأمانة، إلا أن هذا التجريم لا ينصب على الامتناع عن دفع الدين، وإنما على خيانة الثقة الناشئة عن تسليم مال منقول بموجب عقد من عقود الأمانة المحددة قانوناً.
- عقد الأمانة وأثره في قيام الجريمة
يشترط لقيام الجريمة أن يكون التسليم قد تم بموجب أحد عقود الأمانة الحصرية (كالوديعة أو الوكالة أو الإجارة أو عارية الاستعمال). وفي التطبيق العملي، يتبين أن معظم سندات الأمانة المتداولة لا تعكس علاقة أمانة حقيقية، بل تُحرر كضمان لدين أو لصفقة تجارية، وهو ما ينفي الركن المادي للجريمة.
وقد استقر القضاء الأردني الحديث على أن سند الأمانة إذا كان ضماناً لدين، فهو سند مدني لا جزائي، مهما ورد فيه من عبارات شكلية.
- التسليم الفعلي والحيازة الناقصة
يعد التسليم الفعلي للمال شرطاً جوهرياً لقيام الجريمة، ويجب أن تنتقل الحيازة إلى المتهم بصفته مؤتمناً لا مالكاً. أما السندات الموقعة على بياض، أو التي لم يثبت تسلم قيمتها فعلياً، فلا تصلح أساساً للمساءلة الجزائية، ويترتب على ذلك الحكم بالبراءة أو عدم المسؤولية.
ثانياً: انحسار الحماية الجزائية لسند الأمانة
اتجهت السياسة الجنائية الحديثة إلى تضييق نطاق التجريم في النزاعات المالية، انطلاقاً من مبدأ أن العقوبة الجزائية ليست وسيلة لتحصيل الديون.
- القصد الجرمي في إساءة الأمانة
يتطلب الجرم قصداً خاصاً يتمثل في نية تملك المال المودع وحرمان صاحبه منه نهائياً. وقد أكدت محكمة التمييز أن مجرد التأخر في السداد أو وجود خلاف حسابي لا يكفي لإثبات هذا القصد، متى كانت العلاقة في أصلها علاقة تعاقدية مدنية.
- صورية سند الأمانة
يجيز قانون أصول المحاكمات الجزائية إثبات عكس ما ورد في السند بكافة طرق الإثبات. فإذا ثبت أن السند صوري أو حُرر كضمان، سقط الوصف الجزائي، ولم يبقَ أمام الدائن سوى اللجوء إلى القضاء المدني للمطالبة بحقه.
ثالثاً: المسار المدني كطريق أصيل لتحصيل الحق
عند انتفاء الجريمة، يصبح القضاء المدني هو الطريق القانوني الصحيح لتحصيل الدين.
- دعوى المطالبة المالية والاختصاص
تقام الدعوى أمام محكمة الصلح أو البداية بحسب قيمة المطالبة. ورغم ما يترتب على ذلك من رسوم ومصاريف، إلا أن هذا المسار يوفر حماية قانونية مستقرة تستند إلى حجية السند الخطي.
- حجية الكتابة في الإثبات
يخضع الإثبات المدني لقواعد صارمة، حيث تشكل الكتابة دليلاً قوياً لا يجوز دحضه إلا بالكتابة، مما يجعل سند الأمانة – متى كان صحيحاً – أداة فعالة لتحصيل الحق المدني، بعيداً عن المخاطر الجزائية.
رابعاً: التنفيذ المباشر لسند الأمانة
منح قانون التنفيذ الأردني بعض السندات العادية صفة السند التنفيذي متى استوفت شروطاً محددة، أهمها أن يكون الدين محقق الوجود، معين المقدار، وحال الأداء.
- إجراءات التنفيذ
يبدأ التنفيذ بتقديم طلب إلى دائرة التنفيذ وتبليغ المدين إخطاراً يمنحه مهلة قانونية للوفاء أو الاعتراض.
- اعتراضات المدين
إذا أنكر المدين التوقيع، أوقف التنفيذ لحين الفصل في صحة السند. أما إذا ادعى الصورية أو الوفاء، فلا يوقف ذلك التنفيذ تلقائياً، بل يتعين عليه اللجوء إلى محكمة الموضوع وطلب وقف التنفيذ بقرار قضائي.
خامساً: القيود الجديدة على حبس المدين
شكّلت تعديلات قانون التنفيذ لسنة 2022 نقطة تحول مفصلية في إنهاء الاعتماد على الإكراه البدني.
- إلغاء الحبس للديون الصغيرة
لا يجوز حبس المدين إذا كان مجموع الدين لا يتجاوز (5000) دينار، وهو ما أخرج شريحة واسعة من سندات الأمانة من نطاق الحبس التنفيذي.
- الاتجاه نحو الإلغاء شبه الكامل
قيد المشرع مدد الحبس وحدد سقوفاً زمنية صارمة، مع التوجه لإلغاء الحبس عن الديون التعاقدية كلياً اعتباراً من منتصف عام 2025، باستثناءات محدودة تتعلق بالنفقة وبعض الحقوق الخاصة.
سادساً: البدائل التنفيذية الحديثة
مع تراجع الحبس، عزز المشرع وسائل التنفيذ المالي، وعلى رأسها:
- الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة.
- الحجز على الرواتب والمستحقات.
- منع السفر.
- اللجوء إلى بدائل عقابية غير سالبة للحرية في القضايا الجزائية ذات الصلة.
وتهدف هذه الآليات إلى ضمان تحصيل الحق دون المساس بحرية المدين أو تعطيله عن العمل والإنتاج.
خاتمة
أعاد التشريع والقضاء الأردنيان رسم الحدود الفاصلة بين الدين والجريمة، فجرّد سند الأمانة من طابعه الجزائي في أغلب تطبيقاته، وأعاده إلى موضعه الطبيعي كسند مدني يخضع لقواعد الإثبات والتنفيذ.
أهم النتائج
- سند الأمانة لم يعد أداة تجريم تلقائية، بل سند دين في الأصل.
- القضاء الجزائي بات استثناءً لا أصلاً في منازعات السندات.
- المسار المدني والتنفيذي هو الأضمن والأكثر استقراراً.
- انتهاء حبس المدين في الديون التعاقدية.
ويُعد هذا التحول تجسيداً لمفهوم الدولة القانونية الحديثة، التي توازن بين حماية الحقوق المالية وصون الحرية الشخصية، بما يحقق العدالة ويعزز الثقة في المعاملات المدنية في الأردن.
إعداد بواسطة المحامي عبد الله الزبيدي 962798080228+
