الحماية القانونية والاجتماعية للأمومة والطفولة وفق قانون العمل وقانون الضمان الإجتماعي الأردني.

المقدمة

تُعد الحماية القانونية للأمومة والطفولة في المملكة الأردنية الهاشمية امتداداً مباشراً للفلسفة الدستورية التي تنظر إلى الأسرة بوصفها النواة الأساسية للمجتمع، وتُلزم الدولة بحمايتها ورعاية مقومات استقرارها. وفي هذا الإطار، اتجه المشرّع الأردني خلال السنوات الأخيرة إلى تطوير منظومة تشريعية أكثر شمولاً لحماية المرأة العاملة وتعزيز دورها الاقتصادي والاجتماعي، بحيث لا تقتصر الحماية على الجانب الإنساني أو الاجتماعي، بل تمتد لتصبح جزءاً من السياسات الاقتصادية والتنموية للدولة.

وقد شهد عامَا 2024 و2025 سلسلة من التعديلات التشريعية والتنظيمية التي استهدفت معالجة العديد من الإشكالات العملية المرتبطة بعمل المرأة، ولا سيما ما يتعلق بإجازات الأمومة، وآليات تمويلها، ومسؤولية أصحاب العمل تجاه توفير بيئة عمل داعمة للأمومة ورعاية الأطفال. ويظهر من خلال تحليل هذه التعديلات أن المشرّع الأردني يسعى إلى الانتقال من نموذج الحماية التقليدية المحدودة إلى نموذج متكامل للحماية الاجتماعية، يوازن بين استقرار الأسرة واستمرارية مشاركة المرأة في سوق العمل.

كما تعكس هذه التعديلات توجهاً واضحاً نحو تحقيق موائمة بين التشريعات الوطنية والمعايير الدولية، خصوصاً تلك الصادرة عن منظمة العمل الدولية، بما يضمن توفير بيئة عمل أكثر عدالة واستدامة، ويعزز في الوقت ذاته من تنافسية سوق العمل الأردني.

التطور التشريعي لإجازة الأمومة في القانون الأردني

شهدت إجازة الأمومة في التشريع الأردني تطوراً تدريجياً يعكس التغير في النظرة إلى دور المرأة في المجتمع وسوق العمل. فقد كانت الحماية القانونية في مراحلها الأولى محدودة نسبياً، إذ نص قانون العمل الصادر عام 1960 على منح المرأة العاملة إجازة أمومة مدتها ستة أسابيع فقط، توزّع قبل الولادة وبعدها.

ومع صدور قانون العمل رقم (8) لسنة 1996، شهدت هذه الحماية توسعاً ملحوظاً، حيث تم رفع مدة الإجازة إلى عشرة أسابيع (سبعين يوماً) مدفوعة الأجر بالكامل، مع فرض حظر قانوني على تشغيل المرأة خلال الأسابيع الستة التالية للولادة، وذلك مراعاةً لاعتبارات الصحة الجسدية والنفسية للأم.

غير أن الإشكالية الرئيسية التي ظلت قائمة لسنوات طويلة تمثلت في التفاوت بين القطاعين العام والخاص. ففي حين كانت الموظفات في القطاع العام يتمتعن بإجازة أمومة مدتها تسعون يوماً بموجب أنظمة الخدمة المدنية، بقيت العاملات في القطاع الخاص محكومات بالمدة الأقصر المحددة في قانون العمل، وهو ما خلق نوعاً من عدم التوازن في الامتيازات الاجتماعية بين العاملات تبعاً لنوع جهة العمل.

وفي إطار الجهود التشريعية لمعالجة هذا التفاوت، أقر مجلس النواب الأردني في عام 2025 تعديلاً على المادة (70) من قانون العمل يقضي برفع مدة إجازة الأمومة في القطاع الخاص إلى تسعين يوماً متصلة مدفوعة الأجر، وهو ما شكّل خطوة مهمة نحو تحقيق المساواة بين العاملات في مختلف القطاعات.

ولا تقتصر أهمية هذا التعديل على مجرد زيادة مدة الإجازة، بل تكمن في فلسفته الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ يسهم في تعزيز استقرار المرأة العاملة بعد الولادة، ويحد من ظاهرة انسحاب النساء من سوق العمل بسبب صعوبة التوفيق بين متطلبات العمل والأسرة. كما يعكس هذا التعديل توجهاً نحو التقارب مع المعايير الدولية، ولا سيما اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (183) بشأن حماية الأمومة، والتي توصي بمدة إجازة لا تقل عن أربعة عشر أسبوعاً.

تأمين الأمومة في قانون الضمان الاجتماعي

يمثل إدخال تأمين الأمومة ضمن منظومة الضمان الاجتماعي الأردني أحد أهم التحولات في سياسة الحماية الاجتماعية المرتبطة بعمل المرأة. فقد كان صاحب العمل قبل استحداث هذا التأمين ملزماً بدفع أجر العاملة خلال إجازة الأمومة بالكامل، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى ممارسات تمييزية غير مباشرة ضد النساء في التوظيف.

ولمعالجة هذه الإشكالية، تم استحداث تأمين الأمومة ضمن قانون الضمان الاجتماعي في عام 2010، وبدأ تطبيقه فعلياً في عام 2011، ليصبح أحد أبرز أدوات الحماية الاجتماعية الداعمة لاستمرار مشاركة المرأة في سوق العمل.

يقوم هذا التأمين على مبدأ التكافل الاجتماعي، حيث يتم تمويله من خلال اشتراك شهري تتحمله المنشآت بنسبة (0.75%) من إجمالي أجور العاملين لديها، دون تمييز بين الذكور والإناث. ويعني ذلك أن تكلفة إجازة الأمومة لم تعد عبئاً مباشراً على صاحب العمل الذي يوظف النساء، بل أصبحت موزعة على جميع المنشآت المشتركة في النظام.

التكامل التشريعي بين قوانين العمل والضمان الاجتماعي

يُظهر تحليل المنظومة التشريعية الأردنية أن حماية الأمومة لم تعد قائمة على نصوص متفرقة، بل أصبحت جزءاً من نظام متكامل يربط بين قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي والأنظمة التنظيمية المرتبطة بإدارة الموارد البشرية.

فبينما يحدد قانون العمل الحقوق الأساسية المرتبطة بإجازة الأمومة وضمانات عدم فصل العاملة بسبب الحمل أو الولادة، يتولى قانون الضمان الاجتماعي توفير المظلة التمويلية لهذه الحقوق من خلال نظام التأمينات الاجتماعية. أما الأنظمة الإدارية الحديثة، سواء في القطاع العام أو الخاص، فتعمل على توفير آليات تنظيمية تدعم التوازن بين العمل والأسرة.

وقد انعكس هذا التكامل في مجموعة من السياسات العملية، من أبرزها تعزيز بيئات العمل الداعمة للأمومة، وتشجيع المؤسسات على توفير مرافق رعاية الأطفال، إضافة إلى تطوير برامج الحماية الاجتماعية المرتبطة بالأسرة والطفولة.

ومن شأن هذه السياسات أن تسهم في تحسين مؤشرات المشاركة الاقتصادية للمرأة، والتي لا تزال منخفضة نسبياً في الأردن مقارنة بالمعدلات العالمية، إذ لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في سوق العمل حدوداً متواضعة. وبالتالي فإن تعزيز الحماية التشريعية للأمومة يشكل أحد المفاتيح الأساسية لزيادة هذه المشاركة وتحقيق تنمية اقتصادية أكثر شمولاً.

الخاتمة

يتضح مما سبق أنه من خلال التطور التشريعي في الأردن أن حماية الأمومة والطفولة أصبحت محوراً رئيسياً في سياسات الحماية الاجتماعية والعمل. فقد انتقل المشرّع من مرحلة الحماية المحدودة التي كانت تركز على منح إجازة الأمومة فقط، إلى مرحلة أكثر شمولاً تقوم على توفير منظومة متكاملة من الضمانات القانونية والاقتصادية.

وقد أسهمت التعديلات التشريعية الأخيرة، ولا سيما تلك المتعلقة بتمديد مدة إجازة الأمومة وتفعيل دور تأمين الأمومة في الضمان الاجتماعي، في تعزيز استقرار المرأة العاملة وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين الحياة المهنية والأسرية.

ومع ذلك، فإن تحقيق حماية متكاملة للأمومة والطفولة يتطلب استمرار تطوير السياسات التشريعية والاجتماعية بما يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز في الوقت ذاته من دور المرأة كشريك أساسي في عملية التنمية.

ويترتب على ذلك أن مؤسسة الضمان الاجتماعي تتولى دفع بدل إجازة الأمومة للعاملة المستحقة خلال فترة الإجازة، وفقاً للأحكام والشروط المحددة في القانون، الأمر الذي يوفر ضمانة مالية للمرأة العاملة، ويحد في الوقت ذاته من التردد لدى أصحاب العمل في توظيف النساء.

كما يعكس هذا النظام تحولاً في فلسفة التشريع الاجتماعي، إذ لم يعد ينظر إلى الأمومة باعتبارها مسؤولية فردية تتحملها المرأة أو صاحب العمل، بل باعتبارها مسؤولية مجتمعية مشتركة تتطلب مشاركة مختلف الأطراف في تحمل كلفتها.

إعداد المحامي عبد الله الزبيدي/ شركة بيت الترافع لأعمال المحاماة والتحكيم 962798080228+

اترك رد