Table of Contents
Toggleمقدمة
في ظل التعقيد المتزايد للجرائم الرقمية، لم يعد النشاط الإجرامي يقتصر على لحظة التنفيذ النهائي؛ بل أصبح يرتكز على مرحلة تمهيدية عالية الخطورة تشمل تطوير الأدوات الخبيثة، وتداول ثغرات الاختراق، وتجميع كلمات السر وتراميز الدخول المسروقة، وترويج برامج كسر التشفير.
ولأن تجريم الفعل الأصلي بعد وقوعه قد لا يكفي لدرء المخاطر الجسيمة على البنية التحتية والمالية، تبنى المشرع الأردني فلسفة “الردع المسبق” بقطع دابر الجريمة من مرحلتها التحضيرية.
وفي هذا السياق، أفرد قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 نصاً جنائياً قائماً بذاته في المادة (11)، تجرّم بموجبه حيازة وتوفير وتداول الأجهزة والبرامج وكلمات السر المخصصة لارتكاب الجرائم الإلكترونية، مُحدثاً بذلك حلقة وصل تشريعية تحمي كافة القطاعات المصرفية والبرمجية والشخصية في المملكة.
أولاً: البنيان الجرمي للمادة (11) من قانون الجرائم الإلكترونية:
تُعد المادة (11) من الجرائم الخطر الشكلي التي تعاقب على السلوك التمهيدي مجرداً دون اشتراط تحقق نتيجة ضارة بالفعل، وقد جاء نصها صريحاً وقاطعاً:
نص المادة (11):
“كل من حاز دون تصريح جهازا أو برنامجا أو أي بيانات إلكترونية معدة أو كلمة سر أو تراميز دخول أو قدمها أو أنتجها أو وزعها أو استوردها أو صدرها أو روج لها وذلك بغرض اقتراف أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن (2500) ألفين وخمسمائة دينار ولا تزيد على (25000) خمسة وعشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”
عناصر الأركان الجرمية للمادة (11):
1. محل الجريمة (الأدوات والبيانات المحظورة):
الأجهزة والبرامج الخبيثة:
تشمل برمجيات التجسس، وبرامج تسجيل ضربات المفاتيح، وذخائر برامج الفدية، وأدوات كسر التشفير.
2. بيانات وكلمات السر وتراميز الدخول:
تشمل مفاتيح التشفير، وقواعد البيانات المفتوحة الحاوية على أسماء المستخدمين وكلمات المرور ، والتوكنز الخاصة بجلسات التصفح.
3. الركن المادي (صور الأنشطة المادية):
يتسع السلوك الإجرامي في هذه المادة ليشمل أي صورة من صور التعامل مع الأدوات المحظورة؛ سواء بالحيازة السلبية، أو الإنتاج، أو التقديم، أو التوزيع، أو الاستيراد، أو التصدير، أو الترويج عبر المنصات والمواقع و”الظلمة الرقمية”.
4. الركن المعنوي (دون تصريح والقصد الخاص):
اشترط المشرع انتفاء الصفة المشرعنة للهيمنة على هذه الأدوات (“دون تصريح”)، بالإضافة إلى اقتران العلم والإرادة بـ قصد جنائي خاص تتمثل غايته في: “استخدام هذه الأدوات بغرض اقتراف أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون”.
ثانياً: التداخل والارتباط التشريعي مع منظومة الجرائم الإلكترونية:
تُشكل المادة (11) “المدخل الجرمي” و”الأداة التمهيدية” لمختلف الجرائم الإلكترونية الأخرى التي تناولناها في خطتنا التشريعية، حيث ترتبط بها ارتباطاً لا يقبل التجزئة:
1. الارتباط بجرم الاعتداء على وسائل الدفع والتحويل المالي (المواد 8 و9 و10):
تُعد المادة (11) خط الدفاع الأول ضد الجرائم المالية؛ إذ إن الحصول على بيانات البطاقات المصرفية أو وسائل الدفع وتداولها أو حيازة برامج تلتقط بيانات الحسابات -وقبل حتى البدء في استخدامها للاستيلاء على أموال الغير- يُشكل جريمة مستقلة بموجب المادة (11).
فإذا استخدم الفاعل هذه الكلمات والبيانات فعلياً للسيطرة على الأموال أو اختراق أنظمة التحويل المصرفي، ينتقل التكييف إلى الجرائم الأشد في المادة (8/ج) أو جناية المادة (9) المغلظة، أو احتيال المادة (10).
2. الارتباط بالقرصنة الإلكترونية وسرقة الأكواد المصدرية (المواد 3 و5 و6 وحق المؤلف):
في إطار الحماية الفكرية للبرمجيات، تُجرم المادة (11) حيازة أو إنتاج برامج الكسر ومولدات مفاتيح الترخيص المعدة لإلغاء قيود الحماية عن التطبيقات.
كما تُجرم حيازة تراميز الوصول التي يستغلها المطورون أو المخترقون للتسلل إلى مستودعات الأكواد المصدرية، حيث يُلاحق الفاعل أولاً بحيازة أدوات الاختراق (المادة 11)، ثم بالدخول والنقل والتزوير (المادتان 3 و6) وصولاً للملاحقة بموجب قانون حماية حق المؤلف.
3. الارتباط باختراق الأنظمة والبنى التحتية الحرجة (المادتان 3 و4):
لا يمكن تنفيذ جريمي الدخول غير المصرح به للأنظمة العادية أو المؤسسات المصرفية والجامعية والبنى التحتية المنصوص عليها في المادتين (3) و(4) دون التزود مسبقاً بأدوات فحص الثغرات، أو برامج التسلل، أو كلمات السر المستولى عليها.
وهنا تمنح المادة (11) الضابطة العدلية والنيابة العامة سلطة ملاحقة المتسللين بمجرد ضبط هذه الأدوات بحوزتهم وقبل تنفيذ الاختراق الفعلي.
ثالثاً: التكييف العقابي واستقلال الجريمة التمهيدية:
يُميز الفقه والقضاء الجزائي الأردني بين طبيعة المادة (11) والجرائم الناتجة عنها من حيث النتيجة والتدرج العقابي:
1. استقلال السلوك التمهيدي:
أراد المشرع الأردني بموجب المادة (11) عدم إفلات الجاني من العقاب إذا ضُبط متلبساً بحيازة أدوات الاختراق أو كلمات السر دون أن يشرع في الجريمة الأصلية بعد؛ ففرض عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو الغرامة المالية التي تبدأ من (2500) وتصل إلى (25000) دينار، أو بكلتا هاتين العقوبتين.
2. التعدد المعنوي للجريمة:
في حال حاز الفاعل برامج خبيثة أو كلمات سر (المادة 11) واستخدمها فعلياً في سرقة بيانات بطاقات إلكترونية (المادة 8) أو اختراق نظام تحويل أموال (المادة 9)، تُطبق القواعد العامة في التعدد الجرمي، بحيث تُوقع العقوبة الأشد المنصوص عليها في التشريع.
رابعاً: الإثبات الفني وضبط الأدوات والمصادرة القضائية:
تستلزم الملاحقة القضائية عن الجرائم المسندة للمادة (11) بناء ملف إثبات رقمي رصين يستند للمبادئ التالية في قانون الجرائم الإلكترونية:
1. صلاحيات التفتيش والضبط (المادة 32):
يُجاز لموظفي الضابطة العدلية بإذن من المدعي العام تفتيش الأجهزة والأدوات والشبكات، وضبط كافة البرامج وكلمات السر والعناوين التي تشير الدلائل إلى إعدادها لاقتراف جريمة.
2. الوجوب القضائي لمصادرة الأدوات (المادة 31):
تقضي المحكمة تلقائياً عند الإدانة بموجب المادة (31/أ/1) بـ مصادرة كافة الأجهزة والبرامج والأدوات والمواد أو كلمات السر والتراميز المستعملة في ارتكاب الجريمة.
3. حجية الأدلة الرقمية (المادة 36):
تُعتبر المخرجات الفنية المستخرجة من الأجهزة المحجوزة أو السيرفرات حجة قاطعة أمام الإدعاء العام والمحكمة للبرهنة على طبيعة الأدوات المحازة والقصد الجنائي من إعدادها.
خاتمة
تُشكل المادة (11) من قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023 صمام أمان حقيقي ومستبقاً لخطط الشبكات الإجرامية؛ إذ لم تنتظر السياسة الجنائية الحديثة وقوع الضرر أو ضياع الأموال وسرقة الأكواد لتتدخل، بل جعلت من مجرد حيازة أو تداول أدوات وكلمات سر الجرائم الإلكترونية دون تصريح جريمة مستقلة تستوجب التوقيف والملاحقة والعقاب والمصادرة.
حماية بيئتك الرقمية ومواجهة المخاطر الإلكترونية: الخدمة القانونية المتخصصة
إذا تعرضت مؤسستك أو حساباتك المصرفية للاختراق عبر تسريب كلمات السر، أو تم ضبط أدوات رقمية مشبوهة داخل بيئتك التقنية، أو واجهت اتهاماً ينطوي على شبهة حيازة أو استخدام بيانات ووسائل إلكترونية غير مصرح بها، فإن الاستعانة بالخبرة القانونية المتخصصة تُشكل الركيزة الأساسية لتكييف الموقف وإثبات حسن النية أو استرداد الحقوق.
في شركة بيت الترافع لأعمال المحاماة والتحكيم في عمان، برئاسة المحامي عبد الله نواف الزبيدي، والمحامية ليلى خالد أبو الرُب، نقدم تمثيلاً واستشارات قانونية تخصصية أمام النيابة العامة والمحاكم الجزائية في كافة القضايا المتعلقة بـ الجرائم الإلكترونية، والاعتداء على البيانات، والجرائم المالية والبرمجية. نتولى بناء الاستراتيجيات الدفاعية وتفنيد الأدلة الرقمية بصفة محامي جرائم إلكترونية في الأردن يمتلك الدراية التشريعية والفهم التقني الدقيق.
📞 الهاتف المباشر:
📱 واتساب: إضغط هنا للتواصل الفوري والمباشر عبر الواتساب
📧 البريد الإلكتروني:
📍 الموقع: عمان – الأردن (خلدا – شارع الأميرة رحمة بنت الحسن، مجمع القدس التجاري، الطابق الأول، مكتب 102).

لا يوجد تعليق