مقدمة

تحويل الأموال غير المشروع والاستيلاء عليها إلكترونياً:

التكييف الجنائي والعقوبات وفق المواد (8 و9 و10) من قانون الجرائم الإلكترونية الأردني.

أحدثت التقنيات المالية الحديثة، والشبكات المصرفية العابرة للحدود، وتطبيقات التحويل الفوري والمحافظ الرقمية ثورة حقيقية في سرعة تداول الأموال. إلا أن هذه السلاسة الرقمية أوجدت ثغرات استغلتها العصابات الإجرامية في تنفيذ عمليات تحويل الأموال غير المشروع  والاعتداء على البيانات المصرفية والاستيلاء على أموال الغير بالاحتيال الإلكتروني.

ولحماية النزاهة المالية للمملكة الأردنية الهاشمية وصيانة جهازها المصرفي وحقوق المتعاملين فيه من الاستغلال الإجرامي، أفرد المشرع الأردني أحكاماً قاطعة وتدرجاً عقابياً صارماً في المواد (8 و9 و10) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023، لتجريم كافة صور الاعتداء على وسائل الدفع، واختراق شبكات تحويل الأموال، والاستيلاء الاحتيالي عليها.

أولاً: الاعتداء على بيانات وسائل الدفع المعاملات المصرفية (المادة 8):

تناولت المادة (8) من القانون تجريم الأفعال التي تستهدف البنية التحتية لوسائل الدفع الإلكتروني والبيانات المصرفية، وقسّمت العقوبة بحسب النتيجة الجرمية المترتبة على الفعل:

نص المادة (8/أ):

 “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن (2500) ألفين وخمسمائة دينار ولا تزيد على (10000) عشرة آلاف دينار كل من:

 حصل قصدا ودون تصريح أو بما يجاوز التصريح عن طريق الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات على بيانات أو معلومات تتعلق بوسائل الدفع الإلكتروني أو في تنفيذ المعاملات المالية أو المصرفية الإلكترونية أو استخدم أو نشر أيا من هذه البيانات.

 اصطنع أو أنشأ أو وضع أو صمم أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات أو برنامج معلومات أو أمرا برمجيا بقصد تسهيل الحصول على البيانات المنصوص عليها في البند (1) من هذه الفقرة.

 قبل التعامل بالبطاقات المزورة أو المقلدة أو المنسوخة أو غيرها من وسائل الدفع الإلكتروني أو بيانات وسائل الدفع الإلكتروني المستولى عليها بطريقة غير مشروعة مع علمه بعدم مشروعيتها.”

التدرج العقابي في المادة (8):

مجرد الحصول أو التصميم أو قبول التعامل (الفقرة أ):

الحبس من سنة إلى 3 سنوات، وغرامة من (2500) إلى (10000) دينار.

 الاستخدام للحصول على الأموال دون تحقق النتيجة (الفقرة ب):

الحبس من سنتين إلى 3 سنوات، وغرامة من (5000) إلى (15000) دينار.

الاستيلاء الفعلي على الأموال (الفقرة ج):

تشدد العقوبة لتصبح الحبس وجوبياً مدة ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن (10000) عشرة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار.

ثانياً: الجناية المغلظة للعدوان على أنظمة تحويل الأموال والخدمات المصرفية (المادة 9)

تُعد المادة (9) الذروة العقابية في التشريع المالي الرقمي الأردني؛ إذ نقل المشرع الأفعال المجرمة التي تقع على أنظمة تحويل الأموال والدفع الإلكتروني من نطاق الجنح إلى نطاق الجنايات الكبرى المغلظة.

 نص المادة (9):


 “يعاقب كل من قام بأحد الأفعال المنصوص عليها في المواد (3) و(5) و(6) و(7) و(8) من هذا القانون إذا وقعت على نظام المعلومات أو تقنية المعلومات أو موقع إلكتروني أو شبكة معلوماتية تتعلق بتحويل الأموال، أو بتقديم خدمات الدفع أو التقاص أو التسويات أو أي من الخدمات المصرفية المقدمة من البنوك والشركات المالية بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن (25000) خمسة وعشرين ألف دينار ولا تزيد على (75000) خمسة وسبعين ألف دينار.”

الأهمية القانونية للمادة (9):

 تغليظ الوصف الجرمي:

إذا وقع أي اعتداء (سواء كان دخولاً غير مصرح به، أو انتحالاً، أو تزوير بيانات، أو اعتراض خط سير حركة الأموال، أو استخدام بيانات الدفع) على أنظمة تحويل الأموال أو منصات الدفع والتقاص والتسوية المصرفية، يتحول الفعل تلقائياً إلى جناية.

العقوبة المغلظة:

العقوبة السالبة للحرية هي الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن 5 سنوات، وتتضاعف الغرامة المالية لتبدأ من (25000) خمسة وعشرين ألف دينار وتصل إلى (75000) خمسة وسبعين ألف دينار.

ثالثاً: الاستيلاء غير المشروع والاحتيال المالي الرقمي (المادة 10):

تُعالج المادة (10) الصورة التقليدية للاحتيال عند ارتكابها الوسائل الإلكترونية الحديثة، لاستدراج الضحايا وتحويل أموالهم بغير حق.


نص المادة (10):

 “أ- يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (25000) خمسة وعشرين ألف دينار كل من استولى لنفسه أو لغيره بغير حق على أي مال منقول أو غير منقول أو وثيقة تتضمن تعهدا أو إبراء وذلك بالاستعانة بأية طريقة احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة عن طريق الشبكة المعلوماتية أو نظام المعلومات أو احدى وسائل تقنية المعلومات.


 ب- يعاقب على الشروع في ارتكاب الجريمة المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة بالعقوبة المقررة للجريمة ذاتها.”

البنيان الجرمي للمادة (10):

الركن المادي:

استخدام الطرق الاحتيالية، أو اتخاذ اسم كاذب، أو انتحال صفة غير صحيحة عبر الفضاء الرقمي للسيطرة والاستيلاء على أموال الغير أو وثائقهم المالية.


 عقوبة الشروع (الفقرة ب):

ساوى المشرع الأردني بين من أتم الجريمة واستولى على المال، وبين من شرع فيها ولم يتمكن من تحقيق النتيجة لسبب خارج عن إرادته، حيث يُعاقب الشروع بذات العقوبة الأصلية (الحبس سنة على الأقل وغرامة تصل إلى 25 ألف دينار).

رابعاً: التكييف العقابي والمقارنة التحليلية بين المواد (8 و9 و10):

ظهر التدرج التشريعي الحكيم للسياسة الجنائية الأردنية من خلال التمييز الدقيق بين طبيعة السلوك الإجرامي والهدف منه والمحل الواقع عليه الفعل في المواد الثلاث:


المادة (8/ج) – الاستيلاء عبر وسائل الدفع:

تتناول الجانب التنفيذي المتعلق بالاستيلاء الفعلي على أموال الغير من خلال استغلال بيانات بطاقات الدفع أو المعاملات المصرفية المستولى عليها؛ لذلك أوجب المشرع تغليظ العقوبة السالبة للحرية بجعلها الحبس ثلاث سنوات وجوبياً، مع غرامة مالية تتراوح بين (10000) عشرة آلاف و(20000) عشرين ألف دينار.


 المادة (9) – الجناية المغلظة لاستهداف أنظمة التحويل والمصارف:

تتجاوز هذه المادة مجرد الاعتداء الفردي لتستهدف الجرائم المنظمة التي تنال من البنية التحتية والأنظمة الإلكترونية المخصصة لتحويل الأموال أو تقديم خدمات الدفع والتقاص والتسويات؛ ول خطورة هذا الفعل على الأمن الاقتصادي، رفعه المشرع إلى مرتبة الجناية الكبرى وشبّهه بالجرائم العمدية الخطيرة، بفرض عقوبة الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات، وغرامة مالية مغلظة تبدأ من (25000) خمسة وعشرين ألف دينار وتصل إلى (75000) خمسة وسبعين ألف دينار.


المادة (10) – الاحتيال المالي الرقمي والشروع فيه:

تُركز هذه المادة على الوسيلة الإجرامية القائمة على الخداع والتضليل والانتحال الرقمي للسيطرة على الأصول المالية؛ وقد حرص المشرع على فرض عقوبة رادعة تبدأ من الحبس مدة سنة على الأقل وغرامة مالية من (5000) إلى (25000) دينار، مع مساواة العقوبة المقررة للشروع بالعقوبة المقررة للجريمة التامة لقطع الطريق على المحاولات الإجرامية غير المكتملة.

خامساً: الاقتران الجرمي وحجية الأدلة الرقمية في القضايا المالية:

في الواقع التطبيقي أمام المحاكم الجزائية الأردنية، تقترن جرائم تحويل الأموال واستغلالها بجرائم إلكترونية مساندة يُلاحق عليها الفاعل بالتعدد:


اختراق الأنظمة والمصارف (المادتان 3 و4):

التسلل لقواعد البيانات لتسهيل عمليات النقل والاستيلاء.


التزوير والتلاعب بالسجلات (المادة 6):

تعديل أو حذف البيانات المصرفية لإخفاء العمليات المالية.


إخفاء الهوية الرقمية (المادة 12): التحايل على العنوان البروتوكولي (IP Address) لمنع التتبع.


إثبات التدفقات المالية وتتبع الأدلة:


تستند النيابة العامة والمحاكم المختصة في إثبات هذه الجرائم إلى القواعد المسطرة في القانون:


 حجية الأدلة والـ IP (المادة 36):

إعطاء الحجية القانونية الكاملة للمخرجات الرقمية والعناوين البروتوكولية أمام القضاء.


الضبط والتحفظ (المادة 32):

صلاحية الضابطة العدلية بإذن قضائي لضبط الأجهزة والأموال المتحصلة من الجريمة.


الأوامر القضائية العاجلة (المادة 33):

تتبع خط سير البيانات وإلزام البنوك ومزودي الخدمة بحفظ البيانات وتجميد المعاملات المشبوهة.

خاتمة:


إن حماية المعاملات المالية وتحويلات الأموال الإلكترونية تُشكل ركناً أساسياً في الاستقرار الاقتصادي.

وقد أوجد التشريع الأردني بموجب المواد (8 و9 و10) من قانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2023 منظومة ردع متكاملة تتدرج من الحبس المشدد وتصل إلى الجنايات المغلظة بالأشغال المؤقتة والغرامات الطائلة، لضمان ملاحقة العابثين بالأمن المالي والمصرفي.


حماية أصولك ومواجهة الجرائم المالية الرقمية:

الخدمة القانونية المتخصصة
إذا تعرضت أنت أو مؤسستك لعملية تحويل غير مشروع لأموالكم، أو تم استغلال بياناتكم المصرفية في معاملات مالية مشبوهة، أو وقعتم ضحية للاحتيال الإلكتروني، فإن السرعة في التحرك القانوني واستصدار أوامر التجميد التحفظي تُمثل الفارق الحاسم لحماية مركزكم المالي.


في شركة بيت الترافع لأعمال المحاماة والتحكيم في عمان، برئاسة المحامي عبد الله نواف الزبيدي،والمحامية ليلى خالد الرُب نقدم تمثيلاً واستشارات قانونية تخصصية أمام النيابة العامة والمحاكم الجزائية في كافة قضايا الجرائم المالية والتحويلات الرقمية، واستصدار قرارات الحجز والتجميد، وملاحقة الجناة بصفة محامي جرائم إلكترونية في الأردن يمتلك الخبرة القضائية والمالية العميقة.

شركة بيت الترافع لأعمال المحاماة والتحكيممؤلف

أفاتار غير معروف

Lawyer Abdullah

1 تعليق

اترك رد